الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

382

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مضمون الخبر ولتهويل ذلك اليوم . والخطاب في تَرى لكل من يصلح له الخطاب بالقرآن فلا يقصد مخاطب معين ، ويجوز أن يكون خطابا للرسول صلى اللّه عليه وسلّم . والمضارع في تَرى مراد به الاستقبال فالمعنى : وترى يومئذ . والأمة : الجماعة العظيمة من الناس الذين يجمعهم دين جاء به رسول إليهم . و جاثِيَةً اسم فاعل من مصدر الجثوّ بضمتين وهو البروك على الركبتين باستئفاز ، أي بغير مباشرة المقعدة للأرض ، فالجائي هو البارك المستوفز وهو هيئة الخضوع . وظاهر كون كِتابِهَا مفردا غير معرف باللام أنه كتاب واحد لكل أمة فيقتضي أن يراد كتاب الشريعة مثل القرآن ، والتوراة ، والإنجيل ، وصحف إبراهيم وغير ذلك لا صحائف الأعمال ، فمعنى تُدْعى إِلى كِتابِهَا تدعى لتعرض أعمالها على ما أمرت به في كتابها كما في الحديث « القرآن حجة لك أو عليك » وقيل : أريد بقوله : كِتابِهَا كتاب تسجيل الأعمال لكل واحد ، أو مراد به الجنس وتكون إضافته إلى ضمير الأمة على إرادة التوزيع على الأفراد لأن لكل واحد من كل أمة صحيفة عمله خاصة به كما قال تعالى : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ الإسراء : 14 ] ، وقال : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [ الكهف : 49 ] أي كل مجرم مشفق مما في كتابه ، إلا أن هذه الآية الأخيرة وقع فيها الكتاب معرفا باللام فقبل العموم . وأما آية الجاثية فعمومها بدليّ بالقرينة . فالمراد : خصوص الأمم التي أرسلت إليها الرسل ولها كتب وشرائع لقوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] . ومسألة مؤاخذة الأمم التي لم تجئها الرسل بخصوص جحد الإله أو الإشراك به مقررة في أصول الدين ، وتقدمت عند قوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا في سورة الإسراء [ 15 ] . وقرأ الجمهور كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا برفع كُلَّ على أنه مبتدأ و تُدْعى خبر عنه والجملة استئناف بياني لأن جثو الأمة يثير سؤال سائل عما بعد ذلك الجثوّ . وقرأه يعقوب بنصب كُلَّ على البدل من قوله : وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ . وجملة تُدْعى حال من كُلَّ أُمَّةٍ فأعيدت كلمة كُلَّ أُمَّةٍ دون اكتفاء بقوله تُدْعى أو يدعون للتهويل والدعاء إلى الكتاب بالأمم تجثو ثم تدعى كل أمة إلى كتابها فتذهب إليه